محمد بن جرير الطبري
26
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله تعالى : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا لمن كان يشرب الخمر ممن قتل مع محمد صلى الله عليه وسلم ببدر واحد . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد ، قال : ثنا عبيد بن سليمان ، عن الضحاك ، قوله : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ الآية : هذا في شأن الخمر حين حرمت ، سألوا نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : إخواننا الذين ماتوا وهم يشربونها ؟ فأنزل الله هذه الآية . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ الصيد للمحرم يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ يقول : ليختبرنكم الله بشيء من الصيد ، يعني : ببعض الصيد . وإنما أخبرهم تعالى ذكره أنه يبلوهم بشيء ، لأنه لم يبلهم بصيد البحر وإنما ابتلاهم بصيد البر ، فالابتلاء ببعض لم يمتنع . وقوله : تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ فإنه يعني : إما باليد ، كالبيض والفراخ ؛ وإما بإصابة النبل والرماح ، وذلك كالحمر والبقر والظباء ، فيمتحنكم به في حال إحرامكم بعمرتكم أو بحجكم . وبنحو ذلك قالت جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا هناد ، قال : ثنا ابن أبي زائدة ، قال : أخبرنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ قال : أَيْدِيكُمْ صغار الصيد ، أخذ الفراخ والبيض . و " الرماح " ، قال : كبار الصيد الصيد للمحرم . حدثنا هناد ، قال : ثنا ابن أبي زائدة ، عن داود ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ الصيد للمحرم قال : النبل ، ورماحكم تنال كبير الصيد ، وأيديكم تنال صغير الصيد ، أخذ الفراخ والبيض . حدثنا هناد ، قال : ثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن حميد الأعرج ، عن مجاهد في قوله : لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ قال : ما لا يستطيع أن يفر من الصيد الصيد للمحرم . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن ، قالا : ثنا سفيان ، عن حميد الأعرج ، عن مجاهد ، مثله . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ قال : هو الضعيف من الصيد وصغيره الصيد للمحرم ، يبتلي الله تعالى به عباده في إحرامهم حتى لو شاءوا نالوه بأيديهم ، فنهاهم الله أن يقربوه . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا سفيان الثوري ، عن حميد الأعرج ، وليث عن مجاهد في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ الصيد للمحرم قال : الفراخ والبيض ، وما لا يستطيع أن يفر . القول في تأويل قوله تعالى : لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى يعني تعالى ذكره : ليختبرنكم الله أيها المؤمنون ببعض الصيد في حال إحرامكم ، كي يعلم أهل طاعة الله والإيمان به والمنتهون إلى حدوده وأمره ونهيه ، من الذي يخاف الله ، فيتقي ما نهاه عنه ويجتنبه خوف عقابه بالغيب ، بمعنى : في الدنيا بحيث لا يراه . وقد بينا أن الغيب إنما هو مصدر قول القائل : غاب عني هذا الأمر فهو يغيب غيبا وغيبة ، وأن ما لم يعاين فإن العرب تسميه غيبا . فتأويل الكلام إذن : ليعلم أولياء الله من يخاف الله فيتقي محارمه التي حرمها عليه من الصيد وغيره ، بحيث لا يراه ولا يعاينه . وأما قوله : فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فإنه يعني : فمن تجاوز حد الله الذي حده له بعد ابتلائه بتحريم الصيد عليه وهو حرام ، فاستحل ما حرم الله عليه منه بأخذه وقتله ؛ فَلَهُ عَذابٌ من الله أَلِيمٌ يعني : مؤلم موجع . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ ما يقتله المحرم الذي بينت لكم ، وهو صيد البر دون صيد البحر ؛ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ يقول : وأنتم محرمون بحج أو عمرة والحرم : جمع حرام ، والذكر والأنثى فيه بلفظ واحد ، تقول :